الأبعاد الدلالية للأمثال الحسانية ..قراءة في أمثال الوسيط /إعداد الحاج ولد أحمدو

استخدم العرب منذ القدم الأمثال وخلدوا عبرها تجارب حياتهم في جوانبها الاجتماعية والسياسية والثقافية والدينية.

ولقد قدم الأوائل العديد من التعاريف للأمثال ومنها قولهم إن(المثل ما يضرب به من الأمثال) [1]

و(المثل لفظ يخالف لفظ المضروب له ويوافق معناه معنى ذلك اللفظ  شبهوه بالمثال الذي يعمل عليه غيره) على حد تعبير ابن السكيت[2] .

ويمتاز المثل بالعديد من الخصائص التي تميزه عن غيره من الأشكال النثرية الأخرى يقول إبراهيم النظام:(يجتمع في المثل أربعة لا تجتمع في غيره من الكلام :إيجاز اللفظ و إصابة المعنى وحسن التشبيه وجودة الكناية فهو نهاية البلاغة)[3].

ولقد عرف الموريتانيون كغيرهم من المجتمعات الأمثال الحسانية[4] واهتموا بها تداولا وتدوينا[5] حتى أثر عن العلامة أحمد سالم ولد باكا قوله:(لوكنت مربيا لعلمت الأبناء الأمثال بعد حفظ القرآن) [6]

ويقول العلامة حمدا ولد اتاه متحدثا عن أهمية الأمثال الشعبية:(هي مذكرة الشعب ودستوره المسلم والمعترف به،فالموريتانيون كمختلف الأمم يمتلكون ثروة فكرية هائلة من التوجيهات والآراء ضمنوها في هذه الأمثال التي نتعاطاها تلقائيا كلما وقعنا في إشكالية وعندما تستعمل يكون الحل والقبول ولا يبقى من الاعتراض إلا ما هو شاذ)[7]

ولقد أورد ابن الأمين الشنقيطي [8] في كتابه”الوسيط ” مجموعة من الأمثال الحسانية تضمنت العديد من التوجيهات القيمة التي تدعو بشكل صريح إلى التأني والتوسط في الأمور ومقابلة الإحسان بالإحسان،و الترغيب في العمل الجماعي وتهوينه ، والحث على الترشيد وعدم الإسراف، والصبر على نوائب الدهر،وأهمية على الاعتراف بالجميل،والتعلق بالوطن، وضرورة نبذ الإتكالية والتوجه إلى العمل وضرورة إتقانه.

فالإنسان الموريتاني إذا أراد التعبير على سبيل المثال عن مقابلة الإحسان بالإحسان قال:(الِّ اسْرَحْ لَكْ دَوَّرْلُ).[9]، وإذا أراد التعبير عن شدة الحاجة قال: (بَاحِتْ لُ اجيفَه).[10]، وعن شدة الفاقة قال : (أَفْقَرْ مِنْ بُو يَوْمَيْنْ) [11]، وإن أراد الحث على الاستعداد للطوا ري قال: (اشْرُوطْ الشَّحْ يِلْتَكْطُوُ فِي ارْخَ)[12]، وإن أراد التعامل بالندية مع الخصوم قال : (الِّ عَظَّكْ مَا عَظَّيْتُ اشِكْ انَّكْ ابْلاَ سِنَّينْ) [13]، وإن أراد الترغيب في التأني قبل الإقدام على الأمور قال: (يِمْشِ بِالشُّورْ الِّ فَخْلاَكُ يِجْرِ).[14]، وفي الحث على التأني من أجل إتقان العمل :(لاَعَجْلَه كَبْل اصْلاَحْ).[15]، وفي الحث على الاستعداد للخطب قبل وقوعه : (لَهْرُوبْ الا كَبْل الْحُوكْ).[16]، وفي ضرورة العمل : (الِّ مَا يَحْلَبْ بَيْدُ مَا يِبْيَاظْ اخْدَيْدُ).[17]، وفي التحذير من كثرة الأكل : (إِدِيرُ خَمْسَه الِّ مَا يَكِلْعُ عَشْرَه).[18]، و من الشرب ليلا: (بَاتْ كِدَّه لاَ اتْبَاتْ تِكِدَّه).[19]، وفي الترغيب في العمل الجماعي وتهوينه :(حِمْلْ اجْمَاعَه رِيشْ).[20]، وفي الحث على المداراة والترشيد وعدم الإسراف:(أَيْدْ التَّاجِرْ مَا اتْشِكْ لِبِنْتُو).[21]، في الصبر على نوائب الدهر:(الِّ مَا اصْبَرْ نَوْبَه إِعُودْ الدَّهْرْ اعْليهْ نَوْبَاتْ).[22]، وفي المبالغة على فعل أفعال الرجال:(بُصَوْمْ امْن الْكومْ وَلَّ مَا اعْليهْ لَومْ).[23]،  وفي التوسط في الأمور: (لاَ إِيْمُوتْ لِعْجلْ وُلاَ تِيبِسْ التَّادِيتْ).[24] إلى غير ذلك من الأمثال الحسانية التي تعكس بشكل تلقائي ثقافة الموريتانيين وفلسفتهم في الحياة وهي فلسفة صادرة عن مجتمع مسلم مسالم عاش في ظروف صحراوية امتازت بطابعها البدوي العالم.

ولله الأمر من قبل ومن بعد

………….

الهوامش:

الهوامش:

[1]  مختار الصحاح، الشيخ الإمام محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي،ط 1، دار الفكر، بيروت لبنان2001، ص: 265 [2]  الحكم والأمثال، حنا الفاخوري ،دار المعارف ،مصر، د . ت ،ص ، ص:8ـ 9  [3]  الحكم والأمثال، م س، ص، ص 8 ـ 9.  [4]  نسبة إلى اللهجة الحسانية المنحدرة من اللغة العربية وتنتشر هذه اللهجة في موريتانيا وشمال مالي والنيجر وجنوب المغرب والصحراء والجزائر وأجزاء من السنغال/أنظر :اكلام البيظان والموروث الثقافي،عادات وتقاليد بني حسان/محمد من نحن بن محم بيد، ط 1، موريتانيا،2008،ص:4 [5]  ومن بين الذين اهتموا بجمع الأمثال : ـ أحمد بن الأمين الشنقيطي حيث أورد مجموعة من الأمثال الحسانية ضمن كتابه الوسيط ، انظر الوسيط في تراجم أدباء شنقيط ،مكتبة الخانجي ،مصر ،ط 4، 1989، ص:543. ـ باب أحمد ولد البكاي،وقد أورد في كتابه جامع التراث مائة من الأمثال مع مضاربها،أنظر: جامع التراث الشعبي لغن وأزوان  والأمثلة الحسانية مع مضاربها في كيفان/ باب أحمد ولد البكاي،ط 2،ص:179 [6]  أنظر : البنية الجمالية والاجتماعية للمثل الشعبي الموريتاني ، على الرابط :  http://www.culture.gov.mr/spip.php?article83&lang=ar                                                                                                                                                                           [7]  جامع التراث الشعبي ،م س ،ص:8 [8]  هو سيد أحمد بن الأمين الشنقيطي أحد نوابغ الموريتانيين، ولد حوالي سنة 1280 هـ ،وتربى في موطنه الأصلي بين “لعقل” وبحيرة “الركيز” ،درس في أعوامه الأولى القرآن الكريم ومبادئ العلوم الإسلامية والعربية، بدأ بن الأمين رحلة علمية قادته إلى تكانت ومكناس وفاس مارا بمدينة السمارة قبل أن يتابع رحلته العلمية لأداء فريضة الحج،وبعد زيارة لتركيا وسوريا ألقى ابن الأمين عصا الترحال بالقاهرة وظل بها حتى وافاه الأجل المحتوم سنة 1331 هـ.  وقد ترك ابن الأمين العديد من الآثار منها: شرح المعلقات العشر،وشرح آمالي الزجاج، شرح مثلث ابن مالك ،إضافة إلى كتاب الوسيط الذي اعتبره ولد اباه “الوثيقة الأولى التي شملت مجموعة من أدب موريتانيا ومعلومات عن تاريخها وجغرافيتها”. نقلا عن الدكتور محمد المختار ولد اباه  بتصرف / انظر الوسيط، م س  ص،ص:3 ـ 5. [9]  اسْرَحْ لَكْ: بمعنى رعى لك مواشيك ،ودَوَّرْلُ:اطلب له ضالته/ الوسيط، م س ،ص:544. [10]  بَاحتْ بمعنى:حلت،ويقال:أباح الله الشيء:أجازه، ولُ: بمعنى له ،واجيفَه:أي الجيفةأي الميتة/ الوسيط، م س ،نفس الصفحة. [11]  أَفْقَرْ أفعل تفضيل من الفقر، وبُيَوْمَينْ :أي أبي يومين،وهو من لم يمض على ولادته أكثر منهما/ الوسيط، م س ،ص:565. [12]  الشَّحْ:الشدة،ارْخَ:أي الرخاء يلْتَكْطُو:أي يتم جمعهم وتحصيلهم. [13]  ال:بمعنى الذي،وعَظَّكْ: بمعنى عضك،ومَا عَظَّيْتُ: أي ما عضضته، واكُولْ:بمعنى:يقول وانَّكْ:بمعنى:إنك ،وابْلاَ سنيْن:أي لا أسنان لك / الوسيط، م س، ص ص:449 ـ 550. [14]  يمْش:أي يمشي ،بالشُّورْ: ببطء،وافَخْلاَكُو:أي في خاطره،ويجْر:يجري الوسيط، م س ،نفس الصفحة. [15]  اصْلاَحْ:أي الإصلاح الوسيط، م س ،ص:569. [16]  لهْرُوبْ:أي الهرب ،والْحُوكْ:أي اللحاق/ الوسيط، م س ،ص568.   [17]  يَحْلَبْ:من حلب الدابة،وأَيْدُ:بمعنى:يده، ويبْيَاظْ: يبيض ،واخْدَيْدُ:تصغير خده: الوسيط، م س ،ص:549. [18]  إديرُ: يجعلوا،وال:أي الذي،ويَكلْعُ:ينزعوا الوسيط، م س ،ص:549. [19]  بَاتْ:أمر بمعنى بت،وكدَّه:أي قدة:وهي الجلد اليابس،والتكدَّه:هي الحوض الذي يهراق فيه ماء البئر/ الوسيط، م س ،ص:550. [20]  حمْل: ما يحمل،واجْمَاعَه: بمعنى الجماعة،وريشْ: بمعنى خفيف/ الوسيط، م س ،ص:554. [21]  أَيْد بمعنى يد،مَااتْشكْ:أي لا تشق/ الوسيط، م س ،ص:573. 574. [22]  نَوْبَه:النوبة :البرهة من الزمن، اعُودْ:يعود: بمعنى يصير،نَوْبَاتْ:جمع نوبة/ الوسيط، م س ،ص:549. [23]  بُوصَوْمْ:أي الذي بلغ سن الصوم،الْكَوْمْ:أي القوم،ول:بمعنى وإلا،ومَااعْليهْ لَوْمْ:أي لا لوم عليه/ الوسيط، م س ،ص:551. [24]  لاَ ايْمُوتْ:أي لا يمت،لعْجلْ:أي العجل،وتيبسْ:بكسر التاء بمعنى :تيبس:بفتح التاء،والتَّاديتْ:آنية من الخشب يحلبون فيها البقر/ الوسيط، م س ،ص:569.

 

عن bella

شاهد أيضاً

السلفيون

 السلفيون يعلنون ندمهم ويطالبون بحوار مع السلطة 25 سبتمبر, 2020 – 09:02   طالب السجناء …

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: