لحراطين في التاريخ السياسي والديني/ميني ابراهيم

هناك ثلاث أنماط من النظام السياسي أو الديني عرفتهم موريتانيا منذ القرن 13 إلى اليوم،ولن نسهب في تفصيل هذه الأنظمة إذ ما يهمنا هنا هو بنيتها السياسية والإجتماعية وكيف كان لحراطين من ضمنها،وقد يطرح هذا تساؤلا من قبيل ألى تقتضي كتابة تاريخ معين ذكر المصادر والوثائق والشواهد وشهود العيان والروايات والآثار؟ وهنا نقول بأن كل المصادر هي أساس كتابة التاريخ ولكن لايكفي نقل ماكتب او قيل هنا أو هناك لبناء تاريخ معين قائم بذاته إذ تقتضي كتابة التاريخ القوي نوع من التحليل والنقاش والتكيب وعرض المعطيات على المنطق والعمران واستخلاص النتائج بحسب المدرسة الخلدونية ،مع أن ذكر تاريخ مانحن بصدده وهو لحراطين في النطاق الموريتاني قد تم طمسه طمسا بفعل فاعل أو إرادة مريد.
ومن أقدم الأنظمة شبه السياسية الدينية في التاريخ الموريتاني الحديث هو نظام المشيخية،وهو عبارة عن قبيلة لها قائد تتلخص فيه بعض الصفاة كالفروسية وحسن التدبير ورباطة الجأش فيقوم على أمورها دون غيرها فهو من يعلن الحرب والسلم والحل والترحال ليورث مكانته لأبنائه ثم أحفاده ،وقد انتشر هذا النوع من التنظيم في مناطق متعددة من شرق وجنوب البلاد ابتداءا من القرن 12م ،ويقوم هذا التنظيم على ضبط هرمي يوجد لحراطين في أسفله كجزء من ملكية المشيخية فأنذاك لم يكن التقسيم الوظيفي الذي اعقب شرببه قد استحكم، ويوجد صنف آخر من المشيخات هو المشيخة الدينية وقد استمرت عبر التاريخ بعد تثبيت الأنساب والإتصال بالشرف الوافد من المشرق! وهي قد توجد داخل الدائرة الصوفية(دائرة الشيخ محمد فاضل بن مامين وأبناؤه دائرة الشيخ سعد بوه والشيخ ماء العينين ….الخ) وقد توجد في كيانات مصغرة كمجموعة الشيخ حماه الله والشيخ سيد المختار الكنتي وقد توجد في مشيخات مستقلة كمشيخة الشيخ التراد والشخ باب ولد الشيخ سيديا والشيخ يعقوب والشيخ الرابي والشيخ مامن والشيخ ، (في القرن 19 أصبح كل فقيه وكل مدعي الولاية او الصلاح يشكل مشيخة من نوع معين)ومعظم المشيخات الدينية قد تأثرت بالحركات الإمامية في الشمال كإبن تومرت والإمام المجذوب، والباطنية في الجنوب كناصر الدين وإمامات فوتة….الخ
وداخل كل من هذه المشيخات سواءا السياسية منها او الدينية ظل لحراطين هم الخدم والملكية الخاصة بالشيخ وحاشيته فهو يمتلك منهم القدر الأكبر يلتمسون بركته ويرشفون ريقه ويتمسحون بتراب جلس عليه (هناك أمثلة حية مصورة في التاريخ الراهن) أو يشيدون به ويعظمونه إن كان أحد فرسان القبيلة في الطرف السياسي.
أما التنظيم الأميري فهو شكل من أشكال التنظيم السياسي شبه المركزي يضم إقليما محددا وعددا من القبائل ،وله قوانين وفرسان ومحصر هو عبارة عن عاصمة تتشكل من مخيم يسكن لحراطين في أطرافه الأخيرة كحرس وخدم وجنود منزوعي السلاح يستخدمون فقط عند الحاجة -إغارات من إمارات أخرى أو صراع داخلي ،وقد استخدموا إبان المناوشات مع الفرنسيين في التاريخ المعاصر وتعود فكرة نزعهم السلاح خوفا من التمرد ثم التحرر- كان لكل إمارة احراطينها وخاصة الإمارات المشهورة في البلد( أولاد مبارك،،اولاد يحي بن عثمان،،اترارزة،،لبراكنة،،،إدوعيش) ورغم وقوع ثقل المهام على عاتق لحراطين من إغارات وحروب وحمل التجارة للشواطئ وامتياح الماء وحفر الآبار وإعداد الطعام والرعي والحراثة وإعداد القوافل إلا أن كل هذا المجهود ينسب في الأدبيات التقليدية لشخص الأمير وعرفائه وأفراد القبائل ومن أريد لهم الشهرة.
وإبان قيام الدولة الوطنية تم إبعاد لحراطين من واجهة هذا الكيان، فإذا عدنا للقرن 19م وهو القرن الذي بدأت فيه إرهاصات التعامل مع الفرنسيين فإننا نجد جل الإتفاقيات كانت تنص على إبقاء ملكية البيظان من دواب واحراطين ولعل أهم هذه الإتفاقيات هي اتفافية محمد لحبيب مع الوالي شمالتز والتي قضت بعدم التدخل في الملكية من حيوان وعبيد للتروزيين،وهي ليست ببعيد من اتفاقيات ماء العينين مع الإسبان وملوك المغرب مقابل توريد العبيد من طرفه والمد بالأسلحة من طرفهم على أن لاتتم منازعته في ملكيته من لحراطين، وهي أيضا مثل اتفاقية باب ولد الشيخ سيديا مع الفرنسيين حين سمح لهم بالوصاية على المجتمع المتناحر مقابل عدم التدخل في ملكيات البيظان او تغيير موازين القوى ضدهم،وستؤثر هذه الإتفاقيات على مسار تحرير العبيد في القرى التي أنشأت لذلك من طرف الفرنسيين في مناطق متعددة ،وكانت قرى جامبور تستجلب العبيد الفارين من أسيادهم إلا أنهم سرعان ماتتم استعادتهم حين يأتي أسيادهم ويذكرون أن هذا لتدخل سافر في الشؤون الدينية(حق الله ورسوله) والإجتماعية وهكذا يتم تسليم لهم لحراطين الفارين.
ومع فترة الاستقلال لم يهتم الرئيس ولد داداه بكيان لحراطين فقد ظل اعتبارهم كجزء ذائب في المجتمع الأهلي بل لا أخفيكم سرا أنه هو نفسه كان له احراطينه واحراطين أسرته ولم يتفوه بأي خطاب تنويري مبشر بالتحرير والمساواة رغم أنه عاش تلك الأجواء في المجتمع الفرنسي حديث عهد بالمتمرد على الظلم والإقطاعية! بل كانت خطابات ولد داداه تشير لضرورة الجهوية والتفوق العرقي ونلمح ذلك في مؤتمر ألاك وماكتب لاإراديا في مذكراته، صحيح أن الفرنسيين استقدموا الطواقم الإدارية من السنيغال وعهدت المهمة فيما بعد للتروزيين إلا أن بشائر تذويب لحراطين ظلت نصب أعين أصحاب تلك الإرادة ،وكان العامل الوعظي والترهيبي هو عامل إبعاد الفرنسيين من البت في قضية لحراطين أو التدقيق فيها،وفي الواقت الراهن توجد إحصائات وأرقام واقعية تبين أين هم لحراطين في الدولة والسلطة والإقتصاد والمعادلة السياسية والحظ من الإستفادة الريعية ،حيث أن عامل الحسب والنسب المحاط بالإدارة والوظيفة ودخول سوق الأعمال هو سلاح جديد ولد من رحم الدولة الوطنيةلقمع لحراطين.
فماذا عن ثقافة لحراطين وفلكلورهم الجمالي و الذوقي وميولهم النفسية وإنتاجيتهم كبروليتاريين؟

 

عن المدير الناشر سليمان صو

شاهد أيضاً

Conseil des droits de l’homme des Nations unies, 43e session (24 février – 20 mars 2020)

  DECLARATION ORALE Conseil des droits de l’homme des Nations unies, 43e session (24 février …

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: